الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
59
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لكيد خلائلها في أضيق الأوقات . وجملة إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ في موضع العلة ل فَاسْتَجابَ المعطوف بفاء التعقيب ، أي أجاب دعاءه بدون مهلة لأنه سريع الإجابة وعليم بالضمائر الخالصة . فالسمع مستعمل في إجابة المطلوب ، يقال : سمع اللّه لمن حمده . وتأكيده بضمير الفصل لتحقيق ذلك المعنى . [ 35 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 35 ] ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 ) ثُمَّ هنا للترتيب الرتبي ، كما هو شأنها في عطف الجمل فإن ما بدا لهم أعجب بعد ما تحققت براءته . وإنما بدا لهم أن يسجنوا يوسف - عليه السّلام - حين شاعت القالة عن امرأة العزيز في شأنه فكان ذلك عقب انصراف النسوة لأنها خشيت إن هنّ انصرفن أن تشيع القالة في شأنها وشأن براءة يوسف - عليه السّلام - فرامت أن تغطي ذلك بسجن يوسف - عليه السّلام - حتى يظهر في صورة المجرمين بإرادته السوء بامرأة العزيز ، وهي ترمي بذلك إلى تطويعه لها . ولعلها أرادت أن توهم الناس بأن مراودته إيّاها وقعت يوم ذلك المجمع ، وأن توهم أنّهن شواهد على يوسف - عليه السّلام - . والضمير في لَهُمْ لجماعة العزيز من مشير وآمر . وجملة لَيَسْجُنُنَّهُ جواب قسم محذوف ، وهي معلّقة فعل بَدا عن العمل فيما بعده لأجل لام القسم لأن ما بعد لام القسم كلام مستأنف . وفيه دليل للمعمول المحذوف إذ التحقيق أن التعليق لا يختص بأفعال الظن ، وهو مذهب يونس بن حبيب ، لأن سبب التعليق وجود أداة لها صدر الكلام . وفي هذه الآية دليله . والتقدير : بدا لهم ما يدل عليه هذا القسم ، أي بدا لهم تأكيد أن يسجنوه . وذكر في « المغني » في آخر الجمل التي لها محل من الإعراب : وقوع الخلاف في الفاعل ونائب الفاعل ، هل يكون جملة ؟ فأجازه هشام وثعلب مطلقا ، وأجازه الفراء وجماعة إذا كان الفعل قلبيا ووجد معلّق ، وحملوا الآية عليه ، ونسب إلى سيبويه . وهو يؤول إلى معنى التعليق ، والتعليق أنسب بالمعنى . والحين : زمن غير محدود ، فإن كان حَتَّى حِينٍ من كلامهم كان المعنى : أنهم أمروا بسجنه سجنا غير مؤجل المدة . وإن كان من الحكاية كان القرآن قد أبهم المدة التي